Free Web Site - Free Web Space and Site Hosting - Web Hosting - Internet Store and Ecommerce Solution Provider - High Speed Internet
Search the Web

مسافات .. اليوم

فهد العياط

 
 

من ذاكرة الريف

يقطن خالى فى ضاحية تتبع القاهرة الكبرى وبين حين واخر اقوم بزيارته والتودد اليه صلة للرحم واسعادا لوالدتى وفى احدى زياراتى اليه استوقفتنى فتنه الريف وصفاء روحه وانس سكانه واذا بى اقترب من فتاة مشرقة ..ريفية بسيطة اعياها العمل الشاق فى الحقل وفى زريبة الماشية التى تربيها فى صحن البيت المتهالك والذى غمرته مياه الامطار معانقة روث البهائم مثمرة العفن والديدان .. تجر خلفها فى كل خطوة طفل لامع العينين ذو خد احمر المح الذكاء الفطرى على جبينه .. فاشتد شوقا لمحادثته واحتضانه .. اشفق عليه من هذا الكد المضنى الذى يسبق سنى عمره وصغر عوده بالكثير .. ولكنى ارى فى حيويته ما يثير فضولى ويجعلنى اطيل النظر اليه مرة بعد الاخرى .. وانتبه لمغازلة بنت البلد الوديعة لفراخ البيت وكأنها تتناسى اثار العمل الجاد والمتواصل من اجل العيش البسيط بهذا الغناء الريفى العذب عندما تناجى فراخها وشلة الكتاكيت .. وبين الولد الشقى حاد النظرة وامه ذات الشموخ الابدى - هذا الذى ما رأيته قط بهذا الحسن والبهاء بهذا العلو والكبرياء-  اتجول فى ذاكرة الريف بحثا عن  فقيدتى .. هذه التى ما ابصرت فى دنيايا الا اطياف حسنها و بهاء رونقها وصدق تعبيرها واريج عطائها .. انى افتقدها بالفعل كانت اول تجربة لى وقد صادفتها فى احد شوارع القاهرة وبالتحديد فى شارع جانبى من شارع القصر العينى المعروف وكانت لها اطياف فى ذاكرتى منذ امد بعيد منذ الطفولة الواعية ومنذ ان هبت رياحا تحمل اريجها وتخترق انفى بعطرها النفاذ .. تأملت اتساق عودها ورشاقة بنيانها وانا غض صغير فعشت سنى مراهقتى كلها احلم باقتنائها وتنسم عطرها الفواح .. وفى هذه المرة وانا امارس هوايتى وحرفتى فى شوارع بنت المعز لمحتها .. كانت بشموخ يغرى على المغازلة والمغامرة ايضا وكنت استعد للسفر ايضا الى بلدتى ومنزلى فى الصعيد وكان حلما كبيرا ان اراها تكبر فى بيتنا وتملؤه نسيما جميلا وبهجة صادقة كما ابهجتنى ولحظات قليلة وكنت قد اتخذت القرار الخطير والغريب .. فمن يصدق اننى سافعلها هكذا وببساطه وأأخذها من القاهرة الى ريف اسيوط .. وقد فعلتها حقا وتكبدت عناء اصطحابها فى قطار فخم ورحلة ممتعة استمرت قرابة الخمس ساعات نرقب سويا اشجار الطريق واعمدة  متراصة بطول القضبان تحمل اسلاك التليفونات واسراب اليمام التى كثيرا ما حلمت ان تأتى لتقف على اكف( ياسمين ) التى تجاورونى فى رحلتى الى بيت عزها ومنبتها الجديد .. وما ان وصل القطار الى محطتى حتى انتابنى نوع من الفزع .. اذ كيف سأواجه من ينتظرنى بالسيارة وهى معى دونما سابق انذار لهم او حتى ادنى معرفة بها .. الا انها لحظات ومرت فى سلام فقد تعجب اخى الاكبر الذى اتى ليستقبلنى فى المحطة من اصرارى على تحقيق حلمى القديم وعدم نسيانى له وحسب وتسأل كيف عثرت عليها فى القاهرة وكيف اتيت بها كل هذا المشوار الطويل .. واذكر ان ابى يرحمه الله ضحك من صنيعى وفرح به فى نفس الوقت فقد كان محبا للغرس والنبت وكل ما يطرح ويبهج وكنت اعرف ما يسعده ويشرح صدره فألتمس ذلك بنشوة بالغة وكان احد اخوتى يصف ذلك بأننى اجيد اللعب بأوتار قلب والدى واعرف كيف اغازل هواه .. فما ان وصلت ودون ان اقوم بتغيير ملابسى كان لابد وان اقبل بقعة الارض تحت اقدام ياسمينة الدار واول زراعتى فيها وبذلت مجهودا جيدا وانا ارتب لها مبيتها الاول فى منزلنا الريفى الجميل العامر بالبنات والبنين وكان لابد من الذهاب الى حقول زراعتنا قبل ان اخلع ملابسى ايضا وذلك لسببين اولهما ان ذلك يفرح ابى ويجعله مطمئن الى انتمائى للارض وحرصى عليها وثانيهما انها كانت فى حاجة ماسة للتعرف على جذورها الجديدة وانها لابد وان تغمس جذورها هى ايضا فى دارنا بطمى نقى واصيل فكان لا مناص من ان أتى لها من حقلنا بفراش من الطمى الذى لفحته شمس الصعيد ورسمت  تجاعيده ولونته بالسمرة البريئة الطيبة وقد كان ونامت فاتنتى ليلتها الاولى خلف الباب الحديدى للجزء من المنزل المسمى بالديوان او المضيفة واتيت لها بقليل من الماء العذب وطعام يألفه الريفيون لامثالها .. ولم انم فى فراشى مثل كل مرة فقد كنت اصغر من طفل لا يحب ان يفارق صدر امه ابدا ..فتنسمت ريحها الطيبة طوال اليل وعشت نشوة الانتصار وتحقيق الرغبة اكثر من مرة فى هذه اليلة التاريخية واتى الصباح وكم كنت احب ان تداعب شمس دارنا وجه الياسمينة وان تألف وجودها وتظل تداعب اغصانها العمر كله وكعادتى ودعت الجميع لأستانف السفر عائدا الى القاهرة مستودعا الاهل والاحباب جميلتى الصغيرة وفى انفى نسائم عطرها الفواح واخذتنى مشاغلى فى دروب العاصمة ولم انسى غرامى الذى اودعته عقر دارنا وفاتنتى منذ الصغر فداومت السؤال عنها وعن احوالها الا انها لم تألف المكان بدونى واصابتها يد الاهمال فذبلت وتراخى عودها وذهبت ريحها الطيبة ولا زال يعطر الهواء من حولى اريجها ومرت السنين وترعرعت فى اعقابها كرمة وارفة تمتد الان ناشرة ظلالها وكرمها على كل الدار .. وتبقى الذكرى مؤكدة ان الغرس الجميل والحب الكبير ينمو ويظل ينمو فى القلب وان بعدت به المسافات وان اخذته بعيدا الاقدار .. وها هى الريفية البسيطة تأخذنى بصدق احساسها ونبل اخلاقها وحسن تدبرها ورعايتها لعشها البسيط الى ذكرى شجرة الياسمين فتنتى الاولى ورغبتى المنعشة فتجعلنى اطرب لنشاطها وحيويتها وتغلبها على كل الصعاب واعتب على نفسى ان فارقت حبى وجنونى فذبل وارتحل وان لم يفارق خيالى وجودها ولم تبارح انفاسى ريحها وهواها .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية